الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

421

مناهل العرفان في علوم القرآن

فكأن التواتر كان يطلب تحصيله في الإسناد قبل أن يقوم المصحف وثيقة متواترة بالقرآن . أما بعد وجود هذا المصحف المجمع عليه ، فيكفي في الرواية صحّتها وشهرتها متى وافقت رسم هذا المصحف ولسان العرب . قال صاحب الكواكب الدرية نقلا عن المحقق ابن الجزري ما نصه : « قولنا : وصحّ سندها » نعنى به أن يروى تلك القراءة العدل الضابط عن مثله ، وهكذا حتى ينتهى ، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذّ به بعضهم . وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر « 1 » . وأن ما جاء مجىء الآحاد لا يثبت به قرآن . وهذا مما لا يخفى ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من موافقة الرسم وغيره . إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا ، سواء وافق الرسم أم خالفه » ا ه . وبهذا التوجيه الذي وجّهنا به الضابط المذكور ، يهون اعتراض العلامة النويري في شرحه على الطيّبة ، إذ يقول ما نصّه : وقوله : « وصحّ إسنادا » ظاهره أن القرآن يكتفى في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحّة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر . وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم ، كما ستراه إن شاء اللّه تعالى . ولقد ضلّ بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرءون أحرفا لا يصح لها سند أصلا ، ويقولون : التواتر

--> ( 1 ) أي في هذا الضابط الذي لوحظ فيه وجود الركنين الآخرين مع هذا الركن . وإنما فسرنا كلامه بذلك لأن التواتر مجرد شرط أو شطر في القرآن كما هو التحقيق . ولأن موضوع حديثه هنا إنما هو اشتراط التواتر في هذا الركن الذي هو جزء من الضابط ، كما صرح به أولا ، وكما يرشد إليه كلامه آخرا .